صديق الحسيني القنوجي البخاري
249
فتح البيان في مقاصد القرآن
كلام متعلق بكتبنا فلا يوقف عليه ، وفي السيد على الكشاف وخص بني إسرائيل مع أن الحكم عام لكثرة القتل فيهم حتى أنهم تجرّؤوا على قتل الأنبياء اه وقيل غير ذلك . أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً واحدة من هذه النفوس ظلما بِغَيْرِ نَفْسٍ توجب القصاص فيخرج عن هذا من قتل نفسا بنفس قصاصا ، وقد تقرر أن كل حكم مشروط بتحقق أحد شيئين فنقيضه مشروط بانتفائهما معا ، وكل حكم مشروط بتحققهما معا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه . أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فيستحق به القتل ، وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو فقيل هو الشرك والكفر بعد الإيمان ، وقيل قطع الطريق . وظاهر النظم القرآني أنه ما يصدق عليه أنه فساد في الأرض ، فالشرك فساد في الأرض وقطع الطريق فساد في الأرض ، وسفك الدماء وهتك الحرم ونهب الأموال فساد في الأرض ، والبغي على عباد اللّه بغير حق فساد في الأرض ، وهدم البنيان وقطع الأشجار وتغوير الأنهار فساد في الأرض ، فعرفت بهذا أنه يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض ، وهكذا الفساد الذي يأتي في قوله : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً [ المائدة : 33 ] يصدق على هذه الأنواع ، وسيأتي تمام الكلام على معنى الفساد قريبا . فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً أي في الذنب قاله الحسن ، واختلف المفسرون في تحقيق هذا التشبيه للقطع بأن عقاب من قتل الناس جميعا أشد من عقاب من قتل واحدا منهم ، فروي عن ابن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا . وَمَنْ أَحْياها بأن شدّ عضده ونصره فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً أي في الأجر قاله الحسن ، وروي عن مجاهد أنه قال : أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل اللّه جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ، فلو قتل الناس جميعا لم يزد على هذا ، قال ومن سلم من قتلها فلم يقتل أحدا فكأنما أحيا الناس جميعا . وقال ابن زيد المعنى : أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزمه من قتل الناس جميعا ومن أحياها أي من عفا عمن وجب قتله فله من الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعا ، وحكي عن الحسن أنه العفو بعد القدرة يعني أحيانا ، وروي عن مجاهد أن إحياءها إنجاؤها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكه . وقيل : المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا أي وجب على الكل شكره ، وقيل المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع ، لأنه أنكر الشرع ، ومن تورع عن قتل مسلم فكأنما تورع عن قتل جميعهم فقد سلموا منه .